الجاحظ
74
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )
ثم أخبر اللّه تبارك وتعالى أنّه غير داخل في تدبيره الخلل ، ولا جائز عنده المحاباة ، ليعمل كلّ عامل على ثقة ممّا وعده وأوعده ، فتعلّقت قلوب العباد بالرغبة والرّهبة ، فاطّرد التدبير ، واستقامت السّياسة ، لموافقتهما ما في الفطرة ، وأخذهما بمجامع المصلحة . ثمّ جعل أكثر طاعته فيما تستثقل النفوس ، وأكثر معصيته فيما تلذّ . ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « حفّت الجنة بالمكاره ، والنّار بالشهوات » . [ يخبر أنّ الطريق إلى الجنّة احتمال المكاره ، والطريق إلى النار اتباع الشهوات ] . فإذا كانوا لم يصلحوا لخالقهم ولم ينقادوا لأمره إلا بما وصفت لك من الرّغبة والرّهبة ، فأعجز الناس رأيا وأخطؤهم تدبيرا ، وأجهلهم بموارد الأمور ومصادرها ، من أمّل أو ظنّ أو رجا أنّ أحدا من الخلق - فوقه أو دونه أو من نظرائه - يصلح له ضميره ، أو يصحّ له بخلاف ما دبرهم اللّه عليه ، فيما بينه وبينهم . فالرّغبة والرّهبة أصلا كلّ تدبير ، وعليهما مدار كلّ سياسة ، عظمت أو صغرت . فاجعلهما مثالك الذي تحتذي عليه ، وركنك الذي تستند إليه . واعلم أنّك إن أهملت ما وصفت لك عرّضت تدبيرك للاختلاط وإن آثرت الهوينا واتّكلت على الكفاة في الأمر الذي لا يجوز فيه إلّا نظرك ، وزجّيت أمورك على رأي مدخول ، وأصل غير محكم ، رجع ذلك عليك بما لو حكّم فيك عدوّك كان ذلك غاية أمنيّته ، وشفاء غيظه . [ 6 - العدل أساس السياسة ] واعلم أنّ اجراءك الأمور مجاريها واستعمالك الأشياء على وجوهها ، يجمع لك الفة القلوب ، فيعاملك كلّ من عاملك بمودّة ، أو أخذ أو إعطاء ، وهو على ثقة من بصرك بمواضع الإنصاف ، وعلمك بموارد الأمور .